ابن خلكان
65
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
كان طويلا آدم خفيف العارضين يخضب بالحنّاء والكتم . بويع له يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتوفي بالسل ليلة الثلاثاء ، وقيل يوم الجمعة ، لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، وسنّه ثلاث وستون سنة ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة اشهر وتسعة أيام ، وغسلته زوجته أسماء ابنة عميس ، وصلى عليه عمر رضي اللّه عنهما ، وحمل على سرير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو سرير عائشة رضي اللّه عنها ، وكان من خشبتي ساج منسوجا بالليف ، وبيع في ميراث عائشة ، رضي اللّه عنها ، بأربعة آلاف درهم ، فاشتراه مولى لمعاوية وجعله للمسلمين ، ويقال إنه بالمدينة ، ودفن في حجرة عائشة ورأسه بين كتفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان يأخذ من بيت المال في كل يوم ثلاثة دراهم ، وكان قال لعائشة : انظري يا بنية ما زاد في مال أبي بكر منذ وليت هذا الأمر فرديه على المسلمين ، فنظرت فإذا بكر وقطيفة لا تساوي خمسة دراهم ومجشة ، فلما جاء بذلك الرسول إلى عمر قال : رحم اللّه أبا بكر لقد كلف من بعده تعبا . وروي أن أبا بكر خرج بعد البيعة ومعه ميزان ورزمة ثياب تحت يده وخرج إلى السوق فقيل له : ما هذا ؟ فقال : أكتسب لنفسي وعيالي ، فأجمعوا رأيهم وفرضوا له في كل يوم درهما وثلثي درهم من بيت مال المسلمين . وأبو بكر رضي اللّه عنه أول من طلب من النبي صلى اللّه عليه وسلم الدلالة على نبوته ، وسبب ذلك أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان باليمن في تجارة ، ونبّىء النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو غائب ، فنزل أبو بكر رضي اللّه عنه في طريقه على دير فيه راهب باليمن هو ورفقته ، فسألهم الراهب : هل فيكم خطيب ؟ قالوا : نعم ، وأشاروا إلى أبي بكر رضي اللّه عنه ، فدعاه إليه وحده فقال له الراهب : من أين أنت ؟ فقال : من مكة ، فقال : هل ظهر بها أحد يدعي النبوة ؟ فقال : لا ، فقال الراهب : عندي صورة أريكها فإن عرفت أحدا يشبهها فعرفني ، فعرض عليه الصورة فقال : هذه صورة رجل يعرف بمحمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، فقال الراهب : هذا هو النبي المدعو به وهو خاتم الأنبياء ، يظفر بأعدائه ويعلو دينه الأديان . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه :